الشيخ محمد هادي معرفة

302

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

حديثا واحدا - وإنّما تركه لكلام مالك فيه ( كان مالك لا يراه ثقة ويأمر أن لا يؤخذ عنه ) « 1 » . قال : وقد تعقّب جماعة من الأئمّة ذلك ، وصنّفوا في الذّبّ عن عكرمة ، منهم : أبو جعفر ابن جرير الطبريّ ، ومحمّد بن نصر المروزيّ ، وأبو عبد اللّه ابن مندة ، وأبو حاتم ابن حبّان ، وأبو عمرو ابن عبد البرّ ، وغيرهم . وقد لخّص ابن حجر ما قيل فيه ، ثمّ عقّبه بالإجابة عليه ، قائلًا : فأمّا أقوال من أوهاه ، فمدارها على ثلاثة أشياء : على رميه بالكذب ، وعلى الطّعن فيه بأنّه كان يرى رأي الخوارج ، وعلى القدح فيه بأنّه كان يقبل جوائز الأُمراء . قال : أمّا قبول الجوائز فجمهور أهل العلم على الجواز ، وقد صنّف في ذلك ابن عبد البرّ « 2 » قال : على أنّ ذلك ليس بمانع من قبول روايته ، وهذا الزهريّ قد كان في ذلك أشهر من عكرمة ، ومع ذلك فلم يترك أحد الرواية عنه بسبب ذلك « 3 » . وأمّا تهمة البدعة فإنّها لم تثبت ، وقد نفاها عنه جماعة من الأئمّة النقّاد . قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن عكرمة ، فقال : ثقة . قلت : يُحتجّ بحديثه ؟ قال : نعم ، إذا روى عنه الثقات . والذي أنكر عليه مالك ، إنّما هو بسبب رأي ، على أنّه لم يثبت عنه من وجه قاطع أنّه كان يرى ذلك ، وإنّما كان يوافق في بعض المسائل « 4 » فنسبوه إليهم . وقد برّأه أحمد والعجليّ من ذلك ، فقال - في كتاب الثقات له - : عكرمة مولى ابن عبّاس ، مكّيّ تابعيّ ثقة ، بريء ممّا يرميه الناس به من الحروريّة . وقال ابن جرير : لو كان كلّ من ادُّعي عليه مذهب

--> ( 1 ) - . تهذيب التهذيب ، ج 7 ، ص 268 ؛ في ميزان الاعتدال ، ج 3 ، ص 95 : قال مطرف : سمعتُ مالكا يكره أن يَذكُرَ عكرمة ، ولا رأى أن يروي عنه . ( 2 ) - . لم نجد فقيها من فقهاء ذلك العهد ، كان قد سلم من ذلك ، لا سيّما إذا كان الأمير صالحا ، وكان الفقيه بحاجة ، كما هو الشأن في مثل عكرمة . فقد قيل له : ما جاء بك إلى هذه البلاد ؟ قال : الحاجة الطبقات ، ج 5 ، ص 214 . وفي رواية : أسعى على عيالي ( مقدّمة فتح الباري ، ص 426 ) . ( 3 ) - . مقدّمة فتح الباري ، ص 424 - 427 . ( 4 ) - . ما من مذهب وطريقة إلّا ويتوافق بعض مسائله مع مسائل مذاهب آخرين ، وهذا لا يعني التوافق في الأصول وفي كلّ الاتّجاهات . نعم ، الذين فيقلوبهم زيغ ، يتّبعون ما تشابه ابتغاء الفتنة وسعيا وراء الفساد في الأرض .